سيد محمد طنطاوي
158
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الإسلام التي يحاربونها ويشيعون الأباطيل حولها وحول من جاء بها صلى اللَّه عليه وسلم . * ( ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * وهو خلودهم في النار بسبب اجتراحهم السيئات ، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة . ثم كشف - سبحانه - عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال - تعالى - : * ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) * . والسحت : هو كل ما خبث كسبه وقبح مصدره ، كالتعامل بالربا وأخذ الرشوة وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام . وقد بسط الإمام القرطبي هذا المعنى فقال : والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة . قال - تعالى - فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ أي : - فيهلككم ويستأصلكم بعذاب - ويقال للحالق : أسحت أي استأصل . وقال الفراء : أصل السحت كلب الجوع . يقال رجل مسحوت المعدة أي : أكول ، فكأن بالمسترشى وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم . وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به » قالوا يا رسول اللَّه وما السحت ؟ قال : « الرشوة في الحكم » . وقال بعضهم : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه . وذلك بأن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها » « 1 » . والمعنى : أن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم - أيضا - أنهم كثير والسماع للكذب ، وكثير والأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه . ومن كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرا ، ولا تؤمل فيه رشدا . وقوله : * ( سَمَّاعُونَ ) * خبر لمبتدأ محذوف أي : هم سماعون . وكرر تأكيدا لما قبله ، وتمهيدا لما بعده وهو قوله : * ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) * . وجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأكالون - بصيغة المبالغة ، للإيذان بأنهم محبون حبا جما لما يأباه الدين والخلق الكريم . فهم يستمرئون سماع الباطل من القول ، كما يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل : إن اليهود بصفة خاصة قد اشتهروا في كل زمان بتقبل السحت ، وقد أرشد اللَّه - تعالى -
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 83 بتصرف وتلخيص .